تقاطع خطر

اتّجه الصديقان تامر وأدهم في رحلة للتنقيب عن الآثار بعد أن قسّمهما أستاذهما الجامعي إلى فرق، وأرسلهما في مهمة بحث سوياً إلى إحدى المناطق البعيدة عن المدينة.


استقل الاثنان مركبة حتى يبلغا غايتهما وذلك بعدما استعانا بسائق يدعى مراد كونهما لا يملكان رخصة قيادة، وفور وصولهما حين بزوغ الشمس بدأ الاثنان بالتنقيب عن الآثار حتى بدأ الليل يرخي سدوله، وبعد وقت ليس بقصير استخرجا قطعة آثار فريدة من بين الصخور، وقررا الاكتفاء بها والعودة إلى مدينتهما، لذلك توجها إلى السائق مراد الذي كان ينتظرهما في مركبته ليخبراه برغبتهما في العودة، حيث ركبا معه للتوجه إلى منزليهما.


الاتجاه المعاكس

أثناء الطريق كان تامر يحملق شارد الذهن من النافذة وهو يناظر الغابات التي تتوسطها المنازل المهجورة والظلام من حولها، وفجأة توقف السائق مراد في تقاطع طريقين والتفت إليهما وقال: أعتقد أننا ضللنا الطريق.

شهق الصديقان سوياً وقالا بصوت واحد: هااا! ماذا يعني ذلك؟

هزّ مراد رأسه متردداً وقال لهما: ممم أمامنا مفترق طرق، ولا علم لي أيهما هو الاتجاه الصحيح للعودة.


أشار له أدهم بأن يسلك الطريق الأيمن في العودة، وحينها مطّ مراد شفتيه مستسلماً لاقتراحه وأكمل مراد السير في الاتجاه الأيمن، وما هي إلا لحظات حتى بدأوا يسمعون صوتاً قوياً يصدر من محرك المركبة، وعندما توقفوا لمعرفة سبب الصوت وجدوا المركبة وقد تعطلت، فترجلوا وكان السكون مخيماً في الفناء، ولا صوت حولهم سوى صوت عواء الذئاب، وعندما لم يجدوا أي بارقة أمل من العثور على مساعدة قرّر السائق مراد أن يذهب للبحث عن أحد يطلب مساعدته، ثم طلب من الشابين أن يدخلا إلى المركبة وينتظرانه إلى حين عودته، وبعد مضيّ ساعة كاملة دون أن يظهر مراد بدأا بالقلق عليه، وقررا أن يرتدا على آثاره للبحث عنه، وأثناء تتبعهما الطريق جمد تامر في مكانه هلعاً دون التفوّه بكلمة واحدة، فنظر له أدهم متعجباً من وقوفه، ولمّا أدار وجهه رأى جثث موتى شاحبة ممتقعي الوجوه خرجت من قبورها ونعوشها وبدأت تنهش بقايا السائق مراد، عندها ركض الشابان مسرعان وهما يجرّان أقدامهما خلفهما نحو المركبة، وهما بالكاد يلتقطان أنفاسهما.


وفي لحظة ما قررا المشي في الطريق المعاكس لعلّهما يجدان أحد لمساعدتهما، واستمرا في المشي حتى وجدا أمامهما حارساً يجلس أمام أحد البيوت، فتوجها إليه مسرعين لعلّه ينقذهما، ثم قاما بقص ما حصل معهما عليه، ففتح الحارس عينيه شبه المغمضتين وهمس لهما وهو ينظر حوله بترقّب وقال: انظرا! ثمة قلعة على سفح الجبل يتصاعد منها الدخان واللهب تسكنها ساحرة شريرة تحكم المنطقة بأكملها، وذلك بعد أن سجنت حاكمنا الطيّب في القلعة.


شهق الاثنان وقالا بصوتٍ واحد: ساحرة! وما قصة جثث الموتى التي حدّثناك عنها؟

طأطأ الحارس رأسه وقال لهما: هش.. من يقترب من قلعتها، أو يتعدّى على أحد حدود أملاكها تنهشه جثث الموتى، أو تسجنه الساحرة داخل القلعة، ويبدو أن صديقكما قد اقترب منها على وجه الخطأ.

طلب الشابان من الحارس مساعدتهما للعودة إلى حيث أتيا، فوافق على ذلك وأخبرهما بانتظاره لهما ليدلّهما على الطريق بعدما أخباراه برغبتهما بالعودة للحصول على القطعة الأثرية التي نسياها بالمركبة، عاد الشابان إلى المركبة على حذر والذعر يملأ قلبيهما، وبينما هما يهمّان بإخراج القطعة الأثرية التفتا خلفهما ليجدا حرّاس الساحرة يقبضون عليهما، ويغلقون أعينهما، ثم قاموا بأخذهما إلى القلعة بعنف، وعندما أزالوا الغطاء عن أعينهما وجدا نفسيهما جاثيين على ركبهما وأمامهما امرأة غريبة الهيئة مخيفة المنظر، عظامها بارزة، ذات عينين وحشيتين يتطاير منهما الشرر، ولمّا شاهدا ذلك بدأا يرتعشان ويتصببان عرقاً، حتى كاد قلباهما يخرجان من صدريهما


وعندها نظرت لهما الساحرة وقالت لهما: كيف تجرّأتما على التعدّي على حدود مملكتي؟

أجابها تامر بصوت مرتجف: لقد جئنا هنا عن طريق الخطأ وسنرحل فوراً.

ضحكت الساحرة بصوتٍ مرتفع حتى ملأ صوتها أرجاء القلعة وقالت لهما: من يتعدى حدود مملكتي إمّا أن تنهشه جثث الموتى، أو يسجن، فلا سبيل للعودة يا ذكيّ.

ثم أمرت حرّاسها بإحضار نعشين وقالت لهما: اووه، وهنالك خيار آخر وهو أن يُقتل على يدي ويوضع في ذلك النعش حتى تتعفّن جثته.

وفي تلك الأثناء وعندما بدأ شبح الموت يلوح أمامهما استسلم الشابان لما سيحصل لهما، وعند اقتراب الساحرة من أدهم لقتله صرخ وقال لها: مهلاااا، لا تتسرعي قبل أن تسمعي منّي، لقد جئنا إلى هنا بعد أن سمعنا عن مملكتك وقوتك، لذا قررنا أن نحضر لكِ قطعة أثرية فريدة من نوعها جئنا بها من مدينتنا لكي نقدمها لكِ لتضعيها في قلعتك المهيبة هذه.

توقفت الساحرة لبرهة من الوقت وقالت له متعجبة: ها! وما هي تلك القطعة!


بلع أدهم ريقه ثم قال لها: تلك القطعة تجعل كل من في الأرض يخضع لمالكها، لذا لم أجد أحداً يستحقها غيرك لأقدمها له.

قالت له بغطرسة وكبر: مممم سأؤجل قتلكما إلى حين التأكد من كلامك.

ثم أمرت حرّاسها بسجنهما داخل إحدى المعتقلات في القلعة، وقد تمّ حبسهما داخل المعتقل الذي اعتقل فيه حاكم المدينة السابق، وبعد حديث طويل أخبرهما الحاكم القديم عمّا فعلته به تلك الساحرة الشريرة لتستولي على حكمه، وفي تلك الأثناء طلب منه أدهم أن يخبره عن خبايا القلعة، حتى بدأ بإخباره عن التفاصيل مستغرباً من سؤال، أما طَمَعُ الساحرة في الحصول على المزيد من الطاعة جعلها تأتي بنفسها إلى المعتقل حيث أدهم وتطلب منه تلك القطعة الأثرية، فقال لها: لتلك القطعة أسرار يجب أن لا يعرفها أحد غيرك لذلك أبعدي الحرّاس من حولنا وأرشديني إلى أعلى مكان في هذه القلعة.


النهاية

استغربت الساحرة من طلبه واستفسرت عن سببه فقال لها: سرّ هذه القطعة غريب إذ كلّما وضعتها في مكان أعلى زادت إمرتك واتّسعت، لذا أظنّ أنّ عليك وضعها في أعلى مكان في هذه القلعة.

وحينها برّقت الساحرة عينيها بلهفة مُتجهة نحو شرفة حجرتها في الطابق العلوي مصطحبة أدهم، وكانت كلما وضعتها في مكان عالٍ تداركت أمرها وقالت: لا لا يجب علي أن أبحث عن مكان أعلى، وبينما هي كذلك وصلت إلى رأس قمة في القلعة فزلّت قدمها وسقطت، فيما هرب الشابان بعد أن فتحا للملك الطيّب معتقله بينما انشغل الحراس بإنقاذ ساحرتهم، وفي اليوم الذي يليه وبعد أن عمّ الفرح أرجاء المنطقة بعد أن تخلصوا من الساحرة وأعوانها، وقاموا بفكّ أسر الحاكم الطيّب أقاموا الولائم في القلعة احتفالاً بإعادة تنصيب الحاكم من جديد، وفجأة هبّت رياح عاتية عمّت أرجاء القلعة، وزُلزلت الأرض من تحت أقدامهم، حينها صرخ الجميع وأيقنوا أن لعنة الساحرة لن ترحل عن القلعة أبداً.