في المدرسة

مع بدء العام الدراسي اتجهت كاترين في الصباح الباكر إلى مدرستها الجديدة، وقد كانت متوترة قليلاً كونها ستتعرف على أُناسٍ جدد وهي ليست تلك الفتاة الاجتماعية التي تجيد ذلك، ولمّا وصلت إلى المدرسة ولحسن حظها وجدت صديقة لها كانت في مدرستها القديمة، فجلستا بجانب بعضهما البعض في الفصل، وأصبحتا مقربتين جداً، لم تندمج كاترين مع باقي الطلبة كثيراً، بل كانت دائماً ما تجلس مع صديقتها القديمة ساندي، حتى أصبحتا فيما بعد كالأخوات.


ذو الرداء الأسود

في صباح أحد الأيام الماطرة خرجت كاترين كعادتها في تمام الساعة السادسة والنصف إلى مدرستها لتتفاجأ برجلٍ يرتدي معطفاً طويلاً أسود اللون، وقبعة تُخفي أغلب ملامح وجهه بدأ يُلوِّح لها بيده، استغربت كاترين واعتقدت أنّ هناك لبس ما، فأكملت طريقها دون اكتراث، إلا أنه وفي صباح اليوم التالي رأت الرجل نفسه وقد بدأ بالتلويح لها مجدّداً، هنا بدأت الفتاة بالركض بعد أن أيقنت أنه يقصِدها، وهي تشعر وكأنّ أحداً يلحق بها أثناء ذلك، قطعت الفتاة مسافة ليست بقليلة ثم نظرت خلفها فلم تجد شيئاً، فأكملت مسيرها إلى المدرسة على عجل، وعند وصولها أخبرت صديقتها بما حصل معها، لكنها لم تكترث بما قالته واعتبرت أنها تمازحها.


باتت كاترين تفكّر طوال الليل في كيفية ذهابها إلى المدرسة غداً خوفاً من أن تلتقي بذلك الرجل الغامض، وفي الصباح جهّزت نفسها للذهاب، وعند سيرها وقد اقتربت للوصول التفتت حولها ولم تجده فحمدت الله، وما هي إلّا لحظات حتى سمعت شخصاً يناديها باسمها، فبدأت تنظر حولها وإذا بذلك الرجل المخيف يقف أمامها وقد بدت ملامحه للحظة من تحت القبّعة قبل ان يعود ويخفيها، ويسألها عن أحوالها، فارتجفت وسألته: من أنت؟ ومن أين تعرف اسمي، ولِماذا تلحق بي؟

فأجابها: انتبها على نفسيكما جيداً، وقومي بمساعدة المقربين منكِ، واحفظي الأمانة.

قالت له وهي ترتجف: من أنت؟ وماذا تقصد بذلك؟

وفجأة سمعت صوت صديقتها ساندي وهي تضحك وتنادي عليها، وتقول: الله الله، أتتحدثين مع نفسك؟

قالت لها: لا، بل أتحدث مع هذا الرجل.

استغربت ساندي وقالت: عن أي رجلٍ تتحدثين؟

التفتت كاترين للرجل وبدأ بالضحك وقال لها: لا تقلقي إنها لا تراني، والآن حان موعد رحيلي، لكن كما وصّيتك ساعدي المقربين مِنك، واحفظي الأمانة.

خافت كاترين كثيراً عند إيقانها أنها الوحيدة التي تراه، وقاطع شرودها صوت صديقتها ساندي: كاترين يا فتاة عن أي رجل تتحدثين؟

فقالت كاترين بشرود: لا عليك لا عليك أنا أمزح، هيّا فلنكمل طريقنا إلى المدرسة قبل أن يقرع الجرس.

وعند انتهاء الدوام وصلت إلى منزلها مُتعبة بعد يومٍ تملؤه المغامرات، وما لبثت إلا أن رنّ هاتفها وإذ هو رقم طويل وغريب أثار فضولها، وعند ردّها سمعت صوتاً

يقول لها: أشكرك على هذا اللقاء، لنلتقي بعد صحوتي.

استغربت من تلك المكالمة الغامضة، وبعد تدقيقها في الصوت اكتشفت أنه الرجل المخيف نفسه، حتى قررت إنهاء هذا الذعر الذي تعيشه وإخبار والدها بذلك، ولمّا ذهبت لتخبره وجدته يتحدث في الهاتف فبقيت تنتظره حتى ينهي مكالمته، وأثناء ذلك رنّ هاتفها مجدداً فكان الرقم نفسه، ترددت كثيراً قبل أن تردّ لتسمع صوت ذلك الرجل يقول: لا تُخبري والدك، فلا أحد يراني غيرُك، وستبدين كمجنونة أمامهم.

أغلقت كاترين الهاتف وذهبت لغرفتها مسرعة وهي ترتجف، ثمّ طلبت من والدها في اليوم التالي إيصالها إلى المدرسة بمركبته متحججةٌ بأنها متعبة ولا تقوى على المشي، فيما بقيت طوال الطريق تنظر حولها باحثةً عن ذلك الرجل لكنها لم تجده، وفي اليوم الذي يليه ذهبت للمدرسة وحدها بعد أن اعتذر والدها عن إيصالها لتأخره عن عمله، وهي تلتفت حولها طوال مسيرها إلا أنها لم تشاهده أيضاً، ومضى شهران متتاليان ولم تلمح كاترين الرجل ذا الرداء الأسود، حتى ظنّت أنّه كان مجرّد خيال أو حلم يقظة.


الصندوق الغامض

في مايو همّت كاترين بحضور عيد ميلاد صديقتها ساندي المُقام في أحد مقاهي المدينة، وأعدّت لها هدية جميلة كانت قد تمنّتها منذ فترة، وقبل خروجها من المنزل بدأت بتجهيز نفسها وتحضير الهدية التي ستُقدمها لها بحماس، وعند خروجها من باب منزلها وجدت صندوقاً كبيراً يبدو أنّ بداخله هديّة، فاستغربت لذلك وهمّت بفتحه لولا أن وجدت ورقة معلّقة عليه تقول: اهتمي بمن حولك جيداً، فذُعرت وعلمت أنّه ذات الرجل من جديد، وتركت الصندوق وفرّت إلى عيد الميلاد شاردة الذهن، لاحظت ساندي ذلك وعند انتهاء الحفل سألتها عن سبب شرودها، فقالت لها: سأخبرك غداً في المدرسة.

قالت لها ساندي: لِم لا تأتي معي لمنزل جدتي وتُخبريني عما بكِ؟

وافقت كاترين وذهبتا سويّاً، وعند وصولهما أدخلتها إلى غرفتها وذهبت لإحضار كأسين من العصير، وأثناء وجودها في الغرفة، نظرت كاترين في غرفة صديقتها التي تدخلها لأوّل مرة متفحّصة ما فيها، إلى أن وجدت صورة ذلك الرجل الغامض على مكتبها، نعم إنّه هو بعينه! ماذا يفعل هنا؟ ومن يكون؟ بدأت بالصراخ والبكاء، إلى أن جاءت ساندي مسرعة إثر صوتها، وسألتها عن سبب صراخها.

فقالت لها كاترين وهي ترتجف: من هذا الرجل؟ ومن أين تعرفينه؟.

قالت لها: إنه أبي، لكن لماذا كنتِ تصرخين؟

سألتها كاترين: أين هو الآن؟

فقالت لها: أبي قد توفى منذ عام وأمي كانت تمنعني من رؤيته منذ سنوات طويلة، إلى أن حكم له القاضي بحضانتي، وما لبث إلّا أن توفي بحادث سير، ومنذ ذلك الحين وأنا أعاني فقده، لكن أتدرين؟ جدتي تقول لي دائماً أنّ أبي معي في كل مكان يراني أينما ذهبت، ويحميني فهو ملاكي الحارس.