الفصل الأول: في الغابة

يعمل عباس كحطّاب هو وصديقه نعيم في بلدتهما، حيث يقضيان معظم وقتيهما في الغابة لجمع الأخشاب وبيعها لأهل المنطقة.


في يوم من الأيام خرج عباس وحده لجمع الأخشاب من الغابة كون صديقه نعيم كان مريضاً جداً يومها، وفي تلك الأثناء سمع صوت صراخ مرتفع ينبعث من بين الأشجار يعود إلى رجل، فأخذ يلتفت حوله علّه يحدّد اتجاه الصوت، وأثناء ذلك شاهد شاباً بجانبه حصانه يتعاركان مع أسد كان في الغابة، فركض عباس نحوهما وقام بإخافة الأسد بأسلوبه كونه يعمل في الغابة منذ عدة سنوات، واعتاد على مواجهة مثل تلك الظروف والتعامل معها، وعندما رأى الشاب ما فعله معه عباس اقترب منه وهو يكاد يلتقط أنفاسه وقال له بصوت يرتجف: أشكرك على ما فعلته معي فلولا وجودك هنا لأصبحت وجبة دسمة لذلك الأسد أنا وحصاني.


ابتسم عباس وقال له: لا تقلق لقد أمضيت سنوات عديدة في هذه الغابة، وفي كل يوم لي مع مثل هذه الحيوانات حكاية. اندهش الشاب مما سمعه وبدأ الاثنان يتعارفان على بعضهما البعض، حتى قال له عباس: لا بد أنك غريب عن منطقتنا فهذه المرة الأولى التي أراك فيها هنا، هزّ الشاب رأسه وقال له: معك حق إنني أعمل في مجال العِطارة في مدينتي وجئت إلى هذه الغابة لكي أجمع بعض الأعشاب فقط، والآن يجب عليّ مكافأتك على ما فعلته معي أنا وحصاني.

ضحك عباس وقال له: أشكرك، لكنني لم أفعل شيئاً أستحق عليه المكافئة.

مدّ الشاب يده في جيبه وأخرج منها زجاجة زيت ثم أعطاها لعباس وقال له: هذه الزجاجة لك.

أخذ عباس الزجاجة وبقي يُناظرها وهو مُستغرب من محتواها ثم سأله متعجباً وقال: ما بداخلها!


الفصل الثاني: الزيت السحري

قال له الشاب: إن هذا زيت ركّبته بنفسي منذ عدة أشهر وبداخله سحر خاص، فمن يشربه يبقى شاب طوال عمره ولا يشيب أبداً. عندما سمع عباس بذلك شهق مُتعجباً من سحر ذلك الزيت، فوضعه في جيبه وهو مندهش وشكره على إعطائه له، فأخذ الشاب حصانه وعاد إلى بلاده.


ذهب عباس مُسرعاً إلى منزل صديقه نعيم وأخبره عن الزجاجة السحرية التي أعطاها له ذلك الشاب عابر السبيل، ولمّا سمع نعيم بذلك ضحك واعتقد أن صديقه يختلق قصة، ثم قال له عباس: يجب أن يبقى موضوع هذه الزجاجة سرّاً بيننا؛ كي لا يشيع أمرها في المنطقة، فوافق نعيم على ذلك. وفي أحد الأيام كان يجلس مع صديق له وأثناء حديثه معه زلق لسانه وأخبره عن الزجاجة، حتى شاع أمرها في أرجاء المنطقة ووصل خبرها إلى الملك.


عندما سمع الملك بذلك بقي طوال الليل يفكّر في طريقة للحصول على الزجاجة كون قانون البلاد ينص على إقالة الملك بمجرد ظهور الشيب في رأسه، وهو ما كان يجعل الملك يعيش في قلق دائم خوفاً من تقدّمه بالعمر وفقدانه منصبه، وهو ما كان يجعله يرفض كل من يتقدّم للزواج بابنته الأميرة جهينة سعياً لحصولها على أمير ذي مكانة ومنزلة كبيرة لعله يدعمه ويحميه للبقاء في منصبه.


قام الملك باستشارة وزيره لعله يقترح عليه طريقة يحصل بها على الزجاجة، فأخذ الوزير بحكّ رأسه مُفكراً بطريقة لذلك، ثمّ قال للملك: ما رأيك بخطف عباس وإجباره على إعطائنا الزيت؟ ضحك الملك وقال: بالرغم من أنها فكرة جيدة إلّا أنّ علينا الابتعاد عن تلك الأساليب كي لا نخسر محبة الشعب.


بقي الوزير يفكّر بطريقة أخرى حتى قال للملك بصوت منخفض: ما رأيك بتزويجه لابنتك الأميرة جهينة، فلا أعتقد أنّ هناك غاية أعظم من تلك ليمنحنا الزجاجة، فطرق الملك بصولجانه غاضباً من اقتراح وزيره وقال: أتريد أن أُزوّج ابنتي الأميرة لحطّاب فقير بعد أن رفضت تزويجها لأهم الأثرياء والسلاطين!


قام الوزير بتهدئته وقال له: لا بد من إغرائه بشيء كبير لكي يقبل إعطاءك الزجاجة، وإذا زوّجته الأميرة سيُعطيك الزيت فوراً، لذلك عليك الاختيار بين خسرانك لمنصبك، أو تزويج ابنتك لشاب فقير ستستطيع إغناءه بمالك وسلطانك إن بقيت ملكاً. فكّر الملك بذلك ووجد أن لا طريقة للبقاء في منصبه والمحافظة على شبابه سوى تزويج ابنته لعباس الحطّاب، لذلك قام بإخبار الوزير بأنّه وافق على اقتراحه، ثمّ طلب منه إحضار عباس إلى القصر.


في صباح اليوم التالي جاء رجال الملك إلى منزل عباس وأخبروه أن الملك يريد مقابلته، ولمّا سمع بذلك بدأ يرتجف معتقداً أن الملك سيعاقبه لسبب ما، وفور وصوله قام الملك باستقباله بحفاوة، وأجلسه على كرسيه الخاص في القصر وهو يبتسم في وجهه، فيما كان عباس مندهشاً من تصرفات الملك وبقي يناظره باستغراب، وعندما شاهده الملك بهذه الحالة بدأ بالضحك بصوتٍ مرتفع ووضع يده على كتفه وقال له: ما بالك يا عباس تناظرني باستغراب، أعذرك، فهل رأيتَ قبل ذلك ملكاً يُجلس أحد أفراد شعبه على كرسيه الخاص؟

نظر عباس باستغراب وقال: لا بل هذا الشيء لا يحصل إلا في بلدتنا من ملك متواضع مثلك.

ضحك الملك وأحنى ظهره تجاه عباس وقال له: لا بدّ أنك شاب سريع البديهة وذكي، ولهذا قررت تزويجك ابنتي الأميرة جهينة.

بدأ عباس يلتفت حوله معتقداً أن الملك يُحدّث غيره من شدة استغرابه، ثم قال له: إن كنت تمازحني أيها الملك فقلبي لا يحتمل ذلك.

ابتسم الملك وقام بنداء الأميرة جهينة، وفور دخولها اتّسعت عينا عبّاس من جمالها، ورقّتها.

ثم قال له الملك: هذه هي زوجتك.


بقي عباس صامتاً مُعتقداً أنه يحلم، بينما خرجت الأميرة غاضبة من حديث والدها فبعد أن صبرت على رفضه لأفضل الأمراء سيزوجها بذلك الفقير، وفي تلك الأثناء بدأ الملك بتقديم الطعام والشراب لعباس علّه يتقرّب منه، ويستطيع أن يطلب منه الزجاجة السحرية، وبعد ساعات بدأ عباس بالبحث عن شيء ليتفاخر به أمام الملك ويؤكّد له أنه لم يُخطئ عندما اختاره زوجاً لابنته لذلك قام بإخباره عن سرّ الزجاجة وأنه سيحتفظ بها ولن يفرّط بها لأي أحد، معتقداً في نفسه أن ذلك سيرفع قدره عند الملك.


وليتأكد أن ابنته ستتزوّج من شاب لا يشيب أبداً ابتسم الملك واقترح عليه أن يعيش هو وابنته معه في القصر لعلّه يستطيع سرقة الزيت السحري منه، ثم أخبره أن يُحضر ثيابه وأغراضه إلى القصر قبل يوم الزفاف، وفي تلك الأثناء كان عباس لا يزال في حالة من الصدمة مما يجري، ثم حدّث نفسه قائلاً: لا بد أنني شاب جذّاب جداً والأميرة جهينة هي من أصرّت على والدها لتتزوجني.


الفصل الثالث: فرصة ضائعة

وفي اليوم الموعود حضر عبّاس إلى القصر محضراً معه أمتعته وحاجيّاته، وزجاجة الزيت السحري، فيما أقيمت الأفراح والليالي الملاح استعداداً لزواج الأميرة ابنة السلطان، فحضر المأذون والمدعوّون، ووضع عباس يده أخيراً بيد الملك وهو ما لم يكن يراه حتى بأحلامه، وبالفعل عُقد القران وأصبح عبّاس من الأهل والخلّان، وبعد عدّة أيّام من ذلك وبينما عباس جالس مع عمّه الملك في البلاط طلب منه إحضار الزجاجة ليريه ذلك الزيت الذي سيبقيه شاباً ينعم بصحبة زوجته التي هي ابنة الملك طوال حياته، فيما كان يخطّط هو ووزيره لتهديده وأخذها عنوة هذه الساعة، بل وإجباره على إطلاق سراح ابنته.


بينما أحضرها عباس مختالاً متفاخراً تعثّر في مشيته فأسقط الزجاجة وكسرها، صاح عبّاس ومعه كل الحاضرين وجلس باكياً نادباً ما انسكب من زيت، فيما رماه السلطان خارج القصر، وأمره بإطلاق سراح ابنته، انطلق عباس خارج القصر متباكياً وقد عرف نوايا الملك الطمّاع يحمل في أمتعته زجاجة الزيت السحري الحقيقيّة لحين تقدّمه في السن، فيما أعطاه الملك صرّة من المال لئلا يخبر الناس بما كان قد خطّط له.